أبي منصور الماتريدي
57
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [ النحل : 128 ] ، أي : إن الله مع الذين اتقوا في النصرة والمعونة أو التوفيق والعصمة ، ومن نصره الله - تعالى - فلا يغلبه أحد ، ومن يعصمه الله تعالى فلا يضله أحد ، وإذا نال هاتين الخصلتين ، فقد نال خير الدنيا والآخرة . أو يجوز أن يكون قوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يعني : يتقي عقابه ، يجعل له مخرجا « 1 » من الشدة في الدنيا وعن سكرات الموت وغمراته وعن شدائد الآخرة وأهوالها . ويجوز أن يكون قوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ في مكاسبه ، يجعل له مخرجا من الشبه والحرمات فيسلم منها . أو يجوز أن يكون قوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فيما بين له من الحدود في هذه الآيات المتقدمة ، فحفظها من صحبة النساء على ما أمر به ، يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مما أهمه من ناحيتهن ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ يجوز أن يكون هذا فيما بين له من الحدود إذا حفظها أن يرزقه ما وصفنا من المرأة والمال . ويجوز أن يكون هذا في جميع الأمور من المكاسب والتجارات ؛ لأن التجار يظنون أنهم إنما يرزقون الفضل والربح ؛ لما يدخلون فيها من الشبه والحرمات ، وأنها إذا نفيت من تجاراتهم لا يرزقون مثل ذلك ؛ فأخبر - جل ثناؤه - أنهم إذا اتقوا في تجاراتهم تلك الشبه والحرمات ، رزقهم من حيث لم يحتسبوا . أو يجوز أن يكون هذا خطابا للكفرة ؛ وذلك أنهم كانوا يخافون أنهم إذا آمنوا [ برسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ] « 2 » حرموا من الرزق ، وابتلوا بالضيق ، ألا ترى إلى قوله : وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا . . الآية [ القصص : 57 ] فكأن الله - تعالى - أمنهم عما يخافون بسبب الإسلام ، وأخبرهم أنهم إذا وحدوا الله تعالى وآمنوا برسوله ، رزقهم من حيث لم يحتسبوا ، ووسع عليهم الرزق ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ . يجوز أن يكون معناه : أي : من يعتمده في كل نائبة ، ويفوض إليه كل نازلة . والوكيل : هو الموكول إليه الأمور . وقيل الوكيل : هو الحافظ ؛ فكأنه قال : ومن يعتمد على الله فيما نابه كفى به وكيلا موكولا إليه أمره ، وكفى به حافظا وناصرا ومعينا . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ .
--> ( 1 ) زاد في ب : وفي نسخة : من الشبه في الدنيا . ( 2 ) في ب : بالرسول عليه السلام .